بين رباطة الجأش ومربط الجحش مقدار ما بين الانسان والحيوان من فرق يبديه لك مشهدان : أولهما : صيحة شهيرة لملهم الثورات العالمية " تشي كيفارا "في وجه قاتله وقد صوب اليه فوهة مدفعه :أطلق النار أيها الجبان יִיִ إنك تقتل إنسانا יִיִ. ثانيهما : استعطاف ملك ملوك إفريقيا لآسريه : لا تطلقوا علي الرصاص יִיִ خيركم ...خيركم יִיִ قد يكون الوحش الكسير الأسير قد فقد رباطة الجأش التي لم تفارقه حين الخطابة في الجماهير ، والدعابة في معرض الجد في مؤتمر دمشق الشهير الذي استشرف فيه نهاية الحكام العرب جزاء وفاقا لخذلانهم الزعيم الشهم صدام الذي لم يرتعد فرقا وخوفا من قاتليه ، وانما أطلق لها سيف التحدي والتأبي ، ولو تطأطأ "لعاصفة الصحراء " لأخطأته יִיִ. ليس من الغلو وصف القذافي بما فيه من جفاء وجلف وصلف ، وما استيقظت فيه بقايا " الانسان " الكامن فيه الا وهو على شفير القبر ، لكن ليس من شيم النشامى وأهل المروءة والشهامة أيضا قتل أسير أشر مغلوب على أمره حتى يقضى في أمره بقضاء يكفل له الدفاع عن نفسه تبريرا – ربما – لأفعاله أو فضحا للمستور وغير المعلن من شركائه وأشياعه وأعوانه في الظلم والجرم من العرب والعجم. ولذلك ، تمنيت لو لم سبق السيف العذل ، وأن يحترم الثوار حق الأسير في المحاكمة العادلة وفق القوانين الدولية ، لئلا يثيروا من الشبهات ماهو أعظم مما أثاره اغتيال الراحل عبد الفتاح يونس من شكوك كامنة وأحقاد وثارات دفينة יִיִ . قد يكون الأمر بالقتل بعد الاعتقال قد صدر من جهة لا تريد للحقيقة كاملة أن تشاع وتذاع ، خاصة وأن رأس الرجل المطلوب يحمل بلا شك عددا من الأسرار يزيد عن المطلوب יִיִ ، و قد يسقط في غير المرغوب יִיִ ، و لذلك سارعت عواصم دول التحالف الى إصدار بيانات ترحيب برحيل من اسود وجهه في عين مصلحتها كما ابيض في مرآة منفعتها يوم استقبل بالاحضان بباريس ونصبت له الخيمة في بيئة غير صحراوية احتراما لشعوره واحتفاء بحضوره بعد طول غياب יִיִ ، خاصة وأنه قبل الصلح المشروط بشروط الغالب الناهب انهاء لقضية لوكربي . والآن وقد رفع كيل ووضع كيل ، تعين القول : *قد يكون في مصرع القذافي قطع لدابر الثأر وقنوط من فك الأسر ، لكن مهما عظمت الغاية المرجوة من الاسراع بإعدامه ، فانها لا تبرر الوسيلة غير النبيلة ، وهي القتل بدم بارد خرقا لحقوق الأسير ، وان كان ممن لا يستحق في نظري الا العقوبة لا العفو. وقد لا أتردد في وصف المجلس الليبي الانتقالي بالمجلس الانتقامي الذي لم يتورع أحد أعضائه في نعت القذافي بالكافر ، وكأنه قد شق على صدره יִיִ. صحيح انه لا أحد يستطيع تبرئة القذافي من دم بعض الليبيين ، ولكن وصفه على الملإ بالكافر لا يذكر الا بأسلوب محاكم التفتيش أو جماعات التكفير . وقد لا يخطئ من يصف القتيل غير المأسوف عليه بالفاجر استنباطا من الحديث النبوي الشريف : " ... ومثل الفاجر كالأرزة ، صماء معتدلة حتى يقصمها الله " ، وقد قصمه الله وأفضى الى ما قدم . *من المؤلم ألا تكون أرحم من عدوك بك ، وقد كان الأمريكان أرحم بابن لادن من صنيع بعض اللبيين بابنهم العاق الظالم ، فلم يعمدوا الى التشهير بجثته ، ليس احتراما لآدميته و لا التزاما بأخلاق يندى لها الجبين في غوانتانامو وأبوغريب ، وانما لحاجة في نفس يعسوب إسمه " أمريكا " التي قذفت برماد جثمانه في البحر كما يصنع الهنود بموتاهم יִ.ذاك اليعسوب يخشى على صورته من التشويه ، ويتقن لعبة التجلي والتخفي ، فلا ينشر من الصور الا ما يريد ، ولا ينبش خبايا ما لايريد יִ .،بل يوكل المهام القذرة لمن يريد دخول التاريخ من باب "الكنيف " كحكام بغداد الجدد الذين ابتهجوا بالهدي المقدم للبيت الأبيض قربانا يوم العيد حين علق على عود المشنقة رأس الشهيد صدام حسين المجيد ، ولفظ الشهادة على وقع ما سمعناه من جهالة قاتليه الذين كاد الحقد الطائفي أن يستأصل حشاشة مابقي في صدورهم من ايمان ،كما كاد الحنق أن يأتي على مروءة بعض الليبيين الذين رقصوا على دم القذافي وهو يسحب مهانا مضرجا بالدماء ولسان حاله يقول : إن بني ضرجوني بالدم **** شنشنة أعرفها من أخزم شنشنة أي عادة وسلوك لم يتوقعه القذافي – ربما- من أبنائه الذين عقهم قبل عقوقهم له ، ونعتهم بالجرذان غافلا أو متغافلا عن نصيحة غسان كنفاني في رواية " رجال تحت الشمس " : " حاذر أن تأكلك الجرذان יִ ". *إن من أنكى الأسلحة الفتاكة إعلاميا تلك الصور الدامية التي تظهر عنف العرب و قتل بعضهم لبعض ، خلافا لبطش الغربيين بالمستضعفين من المسلمين والعزل منهم الذين قتلوا خارج القانون كابن لادن ، وكأن المراد قوله إن المسلمين همج متعطشون للدماء ، وهي الصورة التي كرستها كتابات بعض المستشرقين غير المنصفين. *كتبت منذ أشهر خلت عبارة تقول : " من السهل أن تتحرر ليبيا من حكم القذافي ، ولكن ليس من السهل أن تصبح ليبيا حرة יִ "، ذلك أن قلوب "التحالف" مع الليبيين وعيونهم على نفطهم ، وما عباراتهم ترحيبا بمصرع القذافي حبا في سواد عيون اللبيين ، ولكن ذلقا وعشقا للذهب الأسود ، و ما أشبه عبارة الكارديان guardian تعليقا على مقتل القذافي : all this for lookerby " هذا كله من أجل لوكربي " יִ بعبارة : " ها نحن عدنا يا صلاح الدين " التي جرت على لسان أحد قادة الصليبيين في لحظة من لحظات انكسار شوكة المسلمين ، ولأمر ما جدعت تلك العبارة من بعض الاعلام العربي المخاتل والمداهن ، لأنها تظهر بعض سخائم قلوب الغربيين ، و استعيض عنها بعبارات كبيرة من قبيل : " battle for lybia " أي المعركة من أجل ليبيا " ،و ليس من أجل لوكربي ، لأن ما خفي من نيات النيتو يجب أن يحجب عن المشاهد العربي ، لأن الشيطان يكمن في التفاصيل والبلايا على الحوايا كما يقول المثل العربي יִ . *إن عدم التقيد بآداب الحرب في الاسلام الحاضة على عدم الاجهاز على جريح أو أسير ، يمثل خرما من خوارم جهاد الثوار الليبيين الذين قدموا للعالم درسا جديدا ، لا يزال جزاروا العرب يستغشون ثياب عنادهم ويصمون آذانهم عن سماعه . ومن المؤسف أن يتم الاصرار على عدم احترام أخلاق الحرب في الاسلام ، فيقتل الأسير ولا يعجل بدفن العقيد العنيد لاراحة الناس من ذكراه السيئة أخذا بالتوجيه النبوي : " عجلوا بدفن صاحبكم ، فإما مستريح أو مستراح منه יִ " ، أما أن يتم عرض جثمانه مسجى في ثلاجة للفرجة والتشفي ، فلا نعلم لهذا الفعل مثيلا الا في تاريخ الفراعنة יִ . و على كل حال ، فان من أطاع غضبه أضاع أدبه ، وقد أضاع بعض الثوار بعض أدبهم ، وحفروا على ناصية تاريخ ثورتهم أخدودا تنثال منه بعض أخطاء أو خطايا الثورة المنتصرة.
تنبيه هام (17 دجنبر 2011 ) : لن ينشر أي تعليق يخرج عن أدبيات النقاش وإحترام الاخر , المرجوا الاطلاع على قوانين كتابة التعليق والالتزام بهاحتى لا يحذف تعليقك